الخطبة النارية لفاطمة الزهراء بنت رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله في المسجد النبوي ..



قالت زينب بنت علي بن أبي طالب : لَمّا بلغ فاطمة إجْماَع أَبي بَكْرٍ عَلى مَنْعها حقَّها من فَدَكٍ , لاثَتْ خِمارَها وَاشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها ، وَأَقْبَلَتْ في لُمَّةٍ مِنْ حَفَدَتِها وَنِساءِ قَوْمِها تجُرُّ أدْراعَها ، وتَطَأُ ذُيُولَها ، لا تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله , حَتَّى دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ فِي حَشَدٍ مِنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ وَغَيْرِهِمْ . فَنِيطَتْ دُونَها مُلاءَةٌ ، فَجَلَستْ ثُمّ أنَّتْ أنَّةً أجْهَشَ لَها القَوْمُ بِالْبُكاءِ والنحيب ، فَارْتَجَّ الَمجْلِسُ ، ثُمَّ أمْهَلَتْ هُنَيَّةً حَتّى إِذا سَكَنَ نَشِيجُ القَوْمِ وهَدَأتْ فَوْرَتُهُمْ وسكنت روعتهم، افْتَتَحَتِ الكَلامَ بالِحَمْدِ للهِ وَالثَّناءِ عَلَيْهِ ، وَالصَلاةِ عَلى
رَسُولِهِ في
كلام طويل من الثناء والتحميد ، فَعادَ الَقْومُ فِي بُكائِهِمْ ، فَلمَّا أمْسَكُوا عَادَتْ فِي كَلامِها فَقَالَتْ عليها السلام :
أبْتدئُ بحمدِ مَنْ هو أوْلى بالحمدِ والطولِ والمجدِ . الحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ ، وَلَهُ الشُكْرُ عَلى ما ألْهَمَ ، والثَناءُ بِما قَدَّمَ ، مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها ، وَسُبُوغُ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامٍ مِنَنٍ والاها ، جَمَّ عَنِ الإِحْصاءِ عَدَدُها ، وَنَأى عَنِ الجَزاءِ أمَدُها،وَتَفاوَتَ عَنِ الإِدْراكِ أبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بِالشكْرِ لاتّصالِها ، وَاسْتَحْمَدَ إلى الخَلائِقِ بِإِجْزالِها ، وَثنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها .
وَأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإخْلاصَ تَأويلَها ، وَضَمّنَ القُلُوبَ مَوْصُولَها ، أنارَ فِي الَفِكَرِ مَعْقُولَها . المُمْتَنِعُ مِنَ الأَبْصارِ رُؤْيَتُهُ ، وَمِنَ الأَلْسُنِ صِفَتُهُ ، وَمِنْ الأَوْهامِ صِفَتُهُ . ابْتَدَعَ الأَشْياءَ لامِنْ شَئ كانَ قَبْلَها ، وَأنْشَأها بِلا احْتِذاءِ أمْثِلَةٍ امْتَثَلَها , كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ ، وذَرَأها بِمَشِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إِلى تَكْوِينِها ، وَلا فَائِدَةٍ لَهُ فِي تَصْوِيرِها إلاّ تَبْيِيناً لِحِكْمَتِهِ ، وَتَنْبِيهَاً عَلى طَاعَتِهِ ، وَإظْهارَاً لِقُدْرَتِهِ ، وَتَعَبُّدَاً لِبَرِيَّتِهِ ، وَإعْزازَاً لِدَعْوَتِهِ . ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ عَلى طَاعَتِهِ ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيَتِهِ ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ ، وحِياشَةً لَهُمْ إلى جَنَّتِهِ .
وَأشْهَدُ أنَّ أَبي مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اخْتَارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أنْ أرْسَلَهُ ، وَسَمَّـاهُ قَبْلَ أنْ اجْتَبَلَهُ ، وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أنْ ابْتَعَثَهُ إِذِ الخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسَتْرِ الأهاوِيلِ مَصُونَةٌ ، وَبِنهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالَى بِمآئِلِ الأُمُورِ، وَإِحاطَةً بِحَوادِثِ الدهُورِ ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ المقدُورِ .
ابْتَعَثَهُ اللهُ إتْماماً لأَمْرِهِ ، وَعَزِيمَةً عَلى إِمْضاءِ حُكْمِهِ ، وَإنفاذَاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ ، فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أدْيانِها ، عُكَّفاً عَلى نِيرانِها ، عَابِدَةً لأِوْثانِها ، مُنْكِرَةً للهِ مَعَ عِرْفانِها، فَأنارَ اللهُ بِأَبي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها ، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها ، وَجَلا عَنِ الأَبْصارِ عَمَهَها ، وعن الأنْفُس غُمَمَها ، وَقامَ فِي النَاسِ بِالهِدايَةِ ، فَأنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ، وَهَداهُمْ إلى الدينِ القَويِمِ ، وَدَعَاهُمْ إِلى الصراطِ المُسْتَقِيمِ .
ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إلَيْهِ قَبْضَ رَأفَةٍ وَاخْتِيارٍ ، وَرَغْبَةٍ وَإيثارٍ ، فَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله فِي راحَةٍ مِنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ ، مَوضُوعَاً عَنْهُ أعْباءُ الأَوْزارِ ، وَمَحْفُوفَاً بِالْملاَئِكَةِ الأَبْرارِ ، وَرِضْوانِ الربِّ الغَفَّارِ ، وَمُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبَّارِ، صَلَّى الله على أبي نَبِيِّهِ وَأمِينِهِ عَلى الَوحْي وَصَفِيهِ ، وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيّهِ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.
ثمّ التفتت عليها السلام إلى أهل المجلس وقالت : وأنْتُم عِبادَ اللهِ نَصْبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَحَمَلَةُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ ، وَاُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ حولكم ، زَعِيمُ حَقّ لهُ فيكُمْ ، وَعَهْدٌ قَدَّمَهُ إلَيْكُمْ ..وَنحن بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَها عَلَيْكُمْ ، ومعنا كِتابُ اللهِ النَّاطِقُ ، وَالقُرآنُ الصَّادِقُ ، وَالضياءُ اللاَّمِعُ ، بَيّنَةٌ بَصائِرُهُ ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ ، مَتَجَليَّةٌ ظَواهِرُهُ ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أشْياعُهُ، قَائِدٌ إلى الرضْوانِ أتْباعُهُ ، مُؤَدٍّ إلى النَجاةِ اسْتِماعُهُ , بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ ، وعَزَائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ الُمحَذَّرَةُ ، وَبَيناتُهُ الجَالِيَةُ ، وَبَراهِينُهُ الكَافِيَةُ ، وَفَضَائِلُهُ المَنْدُوبَةُ ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ ، وَشَرائِعُهُ المَكْتُوبَةُ . فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشركِ ، وَالصَلاةَ تَنْزِيَهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ ، وَالزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً فِي الرزْقِ ، وَالصيامَ تَثْبِيتا لِلإِخْلاصِ ، وَالحَجَّ تَشْيِيداً لِلدينِ ، وَالعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ ، وَطَاعَتَنا نِظامَاً لِلْمِلَّةِ ، وَإمامَتَنا أمانَاً مِنَ الفُرْقَةِ ، وَالجِهادَ عِزَّاً لِلإِسْلامِ ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلى اسْتِيجابِ الأَجْر , وَالأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الوَالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ منْسأةً في العمر ومَنْماةً لِلْعَدَدِ ، وَالقِصاصَ حَقْنَاً لِلدماءِ ، وَالوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضَاً لِلْمَغْفِرَةِ ، وَتَوْفِيَةَ المَكائِيلِ وَالمَوَازِينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ تَنْزِيهَاً عَنِ الرجْسِ ، وَاجْتِنابَ القَذْفِ حِجابَاً عَنِ اللَّعْنَةِ ، وَتَرْكَ السرْقَةِ إيجابَاً لِلْعِفَّةِ ، وَحَرَّمَ الشرْكَ إخْلاصَاً له بِالربُوبِيَّةِ .. فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إلاّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وَأطِيعُوا اللهَ فِي ما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ ، فَإنَّهُ قال إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ . فاحْمَدُوا اللهَ الذي بِعَظمَتِهِ ونُوْرِهِ ابْتَغَى مَنْ في السَمَواتِ والأرْضِ إليه الوسيلةَ , فنَحْنُ وَسيلَتُهُ في خَلْقِهِ ونَحْنُ آلُ رسُولِهِ ، ونَحْنُ خاصَّتُهُ ، ومَحَلُّ قُدْسِهِ ، ونَحْنُ حُجَّةُ غَيْبِهِ ، ووَرَثَةُ أنْبِيائِهِ .
أيها النّاسُ : أنَا فَاطِمَةُ وَأبِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله ، أقُولُها حَقَّاً عَوْدَاً وَبَدْءاً ، ما أقُولُ إذ أقُولُ غَلَطَاً ، وَلاَ أفْعَلُ مَا أفْعَلُ سرفاً ولا شَطَطَاً . لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنَ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ . فَإِنْ تَعْزُوهُ تَجِدُوهُ أبِي دُونَ نِسائِكُمْ ، وَأخا ابْنِ عَمي دُونَ رِجالِكُمْ ، وَلَنِعْمَ المَعْزِي إلَيْهِ صلّى الله عليه ، فَبَلَّغَ النذارَةَ صَادِعَاً بِالرسَالَةِ ، ناكباً عَنْ سنن المُشْرِكِينَ ، ضَارِباً لأثْباَجِهِمْ ، آخِذَاً بِأكْظامِهِمْ ، دَاعِيَاً إلى سَبِيلِ رَبّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ، يَفُضُّ الهام ويجُذُّ الأَصْنامَ ، حَتّى انْهَزَمَ الجَمْعُ وَوَلَّوُا الدبُرَ ، وحَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلَ عَنْ صُبْحِهِ ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدينِ ، وهدأتْ فَوْرةُ الكفْر ، وَخَرسَتْ شَقَاشِقُ الشَّياطِينِ، وَطَاحَ وَشِيظُ النفاقِ ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الكُفْرِ وَالشقَاقِ ، وَفُهْتُمْ بِكلِمَةِ الإِخْلاصِ ، فِي نَفَرٍ مِنَ البِيضِ الخِماصِ ، وَكُنْتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأنْقَذَكُم منها بنبيّهِ , تعْبُدُونَ الأصْنامَ وتَسْتَقْسِمُونَ بالأزْلام مَذْقَةَ الشَّارِبِ ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ ، وَقُبْسَةَ العَجْلانِ ، وَمَوْطِئَ الأَقْدامِ ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ القدَّ والوَرَقَ ، أذِلَّةً خَاسِئِيَن ، تَخَافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ ، فَأنْقَذَكُمُ اللهُ بِنبيّه صلى الله عليه وآله بَعْدَ اللَّتِيَّا وَالَّتيِ ، وَبَعْدَ ما مُنِيَ بِبُهَمِ الرجالِ ، وَذُؤْبانِ الَعَربِ ، وَمَرَدَةِ أهَلِ الكِتَابِ ، كُلَّما أوْقَدُوا نَاراً لِلْحَربِ أطْفَأها اللهُ ، أوْ نَجَمَ قَرْنٌ للضلالة ، أوَ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ المُشْرِكِينَ ، قَذَفَ أخَاهُ عليّاً فِي لَهَواتِها , فَلا يَنْكَفِئُ حَتّى يَطَأ ضِماخَها بِأخْمَصِهِ ، وَيُخْمِدَ لَهَبَها بِحدِّهِ , مَكْدُودَاً فِي طاعة اللهِ ورسوله ، مُجْتَهِدَاً فِي أمْرِ اللهِ ، قَرِيبَاً مِنْ رَسُولِ الله ، سَيّدَاً فِي أوْلِياءِ اللهِ ، مُشَمرَاً نَاصِحَاً مُجِدَّاً كَادِحَاً .. وَأنْتُمْ فِي بُلَهْنِيَةٍ وَادِعُونَ آمِنُونَ فرِحون، وفي رَفَاهِيَة مِنَ العَيْشِ فَكِهُونَ , تأْكُلُون العَفْوَ وتشربُوْنَ الصَفْوَ ، تَتَوَكَّفُونَ الأخْبارَ ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النزالِ وَتَفِرونَ مِنَ القِتَالِ !!
فَلَمّا اخْتارَ اللهُ لِنَبِيهِ دَارَ أنْبِيائِهِ ، وَمحلَّ أصْفِيائِهِ ، ظَهَرَتْ فِيكُمْ حَسِيْكَةُ النقاقِ ، وَانْسَمَلَ جِلْبابُ الدينِ ، وأخْلقَ عهده ، وانتقضَ عقده , وَنَطَقَ كَاظِمُ ، وَنَبَغَ خَامِلُ , وَهَدَرَ فَنِيقُ الباطِلِ يخَطُرُ فِي عَرَصَاتِكُمْ ، وَأطْلَعَ الشّيطانُ رَأسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ ضارخاً بِكُمْ ، فَألْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُصيخينَ ، وَلِلْغِرَّةِ مُلاحِظِينَ،واسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافَاً ، وَأحْمَشَكُمْ فَألْفاكُمْ غِضابَاً ، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ ، وأَورَدْتُموها غَيْرَ شِرْبِكُمْ .
هَذا وَالعَهْدُ قَرِيبٌ ، وَالكَلْمُ رَحِيبٌ ، وَالجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ ، وَالرَّسُولُ لَمّا يُقْبَر ، بِدارَاً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الفِتْنَةِ ! ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِين .
هَيْهَاتَ مِنْكُمْ ؟ وَأينَ بِكُمْ ؟ وَأنَّى تُؤْفَكُونَ ؟! وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَأحْكامُهُ زَاهِرَةٌ ، وزَوَاجِرُهُ قاهرة ، وَأوَامِرُهُ لاَئِحَةٌ ، وأدلته وَاضِحَةٌ ، وَأعْلامُهُ بَيّنةٌ ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ !! أرَغْبَةً ويْحَكُمْ عَنْهُ تُدْبِرُونَ ؟ أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ ؟! بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً.. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينَاً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ .
ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا بعد اجتهاد إِلاّ رَيْثَما سكنتَ نِفْرَتُها ، وَأسْلَسَ قِيادُها ، ثُمَّ أخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها ، وَتُهَيّجُونَ جَمْرَتَها ، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطَانِ الغَوِيّ ، وَإطْفاءِ أنْوارِ الدّينِ الجَلِي ، وَإهْمادِ سُنَنِ النَبيّ الصَفِيّ ، تُسرِّونَ حَسْوَاً فِي ارْتِغَاءٍ ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوُلْدِهِ فِي الخَمَر وَالضَّرآءِ ، وَنحن نَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حزّ المُدَى ، وَوَخْزِ السنانِ فِي الحَشَا ! وَأنْتُمْ الآنَ تَزْعَمُونَ أنْ لا إِرْثَ لَنَا ولاحظّ ! أفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمَاً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ !! بَلى قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ أَني ابْنَتُهُ!
إيْهاً معاشر المُسْلِمينَ , أأبْتزُّ إِرْثِيَهْ ؟ يَا ابْنَ أبِي قُحافَةَ أفِي كِتابِ اللهِ أنْ تَرِثَ أباكَ وَلاَ أرِثُ أبِيَهْ ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئَا فَرِيَّاً ! جرْأةً منكم على قطيعة الرحِم ونكْث العهْد , أفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللهِ وَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُد . وَقَالَ فِي ما اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام إِذْ قَالَ: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. وَقَالَ: وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ .وَقَالَ: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظ الأُنْثَيَيْنِ . وَقَال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلى المُتَّقِينَ .
وَزَعَمْتُمْ أنْ لاحظْوَةَ لِي وَلا إِرْثَ مِنْ أبي ، وَلاَ رَحِمَ بَيْنَنَا ! أفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ أبِي صلى الله عليه وآله مِنْها ؟ أمْ هَلْ تَقُولُونَ : إِنَّا أهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثانِ ؟ أوَلَسْتُ أنَا وَأبِي مِنْ أهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ ؟! أمْ أنْتُمْ أعْلَمُ بِخُصُوصِ القُرآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أبِي وَابْنِ عَمي ؟!
فَدُونَكَهَا مَخْطُوْمَةً مَرْحُولَةً مزْمومةً , تكون معك في قبرك ، وتَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ ، فَنِعْمَ الحَكَمُ اللهُ ، وَنعم الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ , وَالمَوْعِدُ القِيامَةُ ، وَعِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ . وَلِكُل نَبَأٍ مُسْتَقَر، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيِه وَيَحِل عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ !
ثُمَّ رَنَتْ عليها السلام بِطَرْفِها نَحْوَ الأَنْصارِ وَقَالَتْ :
يَا مَعْشَرَ النَّقِيبَة ِ، وَأعْضادَ المِلَّةِ ، وَحَضَنَةَ الإسْلاَمِ : مَا هَذِهِ الغَمِيزَةُ فِي حَقّي ، وَالسِنَةُ عَنْ ظُلاَمَتِي ؟! أمَا قال رَسُولُ اللهِ أبِي : الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ ؟ لَسَرْعانَ مَا أحْدَثْتُمْ ، وَعَجْلاَنَ ذَا إِهالَة ، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أطْلُبُ وَاُزاوِلُ ؟! أتَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ ؟ لعمري خَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ ، وَفُقِد رَاتِقُهُ ، وَأظْلَمَتِ الأرْضُ لِغَيْبَتِهِ واكتأبت خِيَرةُ الله لِمُصِيبَتِهِ , وَخَشَعَتِ الجِبالُ ، وَأكْدَتِ الآَمالُ ، وَأُضِيعَ الحَرِيمُ ، وَاُزِيلَتِ الحُرْمَةُ ، فَتِلْكَ وَاللهِ النَّازِلَةُ الكُبْرى ، وَالمُصِيبَةُ العُظْمى ، لا مِثْلُها نَازِلَةٌ ، وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ ، أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في مَمْساكُمْ وَمُصْبَحِكُمْ ، يَهْتِفُ بِهِ فِي أفْنِيَتِكُمْ هِتَافاً وَصُراخَا، وَتِلاوَةً ، وَإلحاناً ، وَلَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضَاءٌ حَتْمٌ : وَما مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسُلْ أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللهَ شَيْئَاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرينَ .
إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ ، وَأنْتُمْ بِمَرْأىً مِنّي وَمَسْمَعٍ وَمُنْتَدى وَمَجْمَعَ؟ تَشْمَلُكُمُ الدَّعْوَةُ ، وتَلْبَسُكُمُ الحَيْرَةُ ، وفيكم العَدَدِ وَالعُدَّةِ وَلكم الدارُ وعندكم الجُنَنُ والأَداةُ وَالقُوَّةُ ، وَعِنْدَكُمُ السلاحُ , تُوافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغِيثُونَ وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاح ِ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ ، والنخْبَةُ الَّتي انتُخِبَتْ لنا أهل البيت ، وَالخِيَرَةُ الَّتي اخْتِيرَتْ فنابذتُمُ فينا صميم العَرَبَ،وَتَحَمَّلْتُمُ الكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَنَاهضْتُمُ الاُمَمَ ، وَكَافَحْتُمُ البُهَمَ ، لاَنَبْرَحُ ولا تَبْرَحُونَ نَأمُرُكُمْ فَتْأتَمِرُونَ , حَتَّى إِذا دارَتْ بِنا رَحى الإسْلامِ ، وَدَّرَ حَلَبُ الأَيَّامِ ، وَخَضَعَتْ نخوة الشركِ ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإِفْكِ ، وَهَمَدَتْ نِيرانُ الكُفْر وَهَدَأتْ روْعةُ الهَرْجِ ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدينِ . فَأنّى حِرتُمْ بَعْدَ البَيَانِ، وَأسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإِعْلان ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإقْدامِ وجَبُنْتُمْ بعدَ الشَجاعَةِ ، عن قوْمٍ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ ، من بعد عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دينكم . فقاتلُوا أئمّةَ الكُفْرِ إنّهُمْ لا أيْمانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنْتَهُوْنَ . ألا تُقاتِلُونَ قَوْمَا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُوكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أحَق أنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ألا , قَدْ أرى والله أنْ قَدْ أخْلَدْتُمْ إلى الخَفْضِ ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أحَق بِالْبَسْطِ وَالقَبْضِ ، وَخُلِبتُمْ بِالدَّعَة ، َنجَوْتُمْ مِنَ الضيقِ بِالسعَةِ ، فَمَجَجْتُمْ الذي عرفتُمْ ، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ ، فَإِنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِي حَمِيدٌ .
ألا وَقَدْ قُلْتُ الذي قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالخِذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ ، وَالغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ ، وَلَكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ ، ومنية الغَيْظِ، ونفْثَّةُ الصدْرِ ، ومعذرَةُ الحُجَّة !! فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبْرَةَ الظَّهْرِ ، مَهِيْضَةَ العَظْمِ خَوْراءَ القناةِ , نَاقِبَةَ الخُفّ، باقِيَةَ العارِ ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ موصولةً بشَنارِ الأَبَدِ، متصُلَةً بِنارِ اللهِ المُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ .
فَبِعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ ، واعملوا إنّا عاملون ، وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ، وَأنا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ . فكِيْدُوني جَمِيْعاً ثُمّ لا تُنْظِرُون . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .
قالت عليها السلام : سُبْحانَ اللهِ ما كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله عَنْ كِتابِ اللهِ صادِفَاً، وَلا لأحْكامِهِ مُخالِفا، بَلْ كانَ يَتْبَعُ اَثَرَهُ ، وَيَقْتَفِي سُوَرَهُ ، أفَتَجْمَعُونَ إلى الغَدْرِ اعْتِلالاً عَلَيْهِ بِالزورِ ، وَهَذا بَعْدَ وَفاتِهِ شَبِيهٌ بِما بُغِيَ لَهُ مِنَ الغَوائِلِ فِي حَياتِه ِ، هَذا كِتابُ اللهِ حَكَمَاً عَدْلاً وَناطِقَا فَصْلاً يَقُولُ: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبِ. وَيَقُولُ: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُد ، فبيّنَ عَزَّ وَجَلَّ فِي ما وَزَّعَ مِنَ الأَقْساطِ، وَشَرَعَ مِنَ الفَرائِضِ وَالمِيراثِ، وَأباحَ مِنْ حَظ الذكْرانِ وَالإناثِ ما أزاحَ عِلَّةَ المُبْطِلِينَ ، وَأزالَ التَظَني وَالشبُهاتِ فِي الغابِرينَ. كَلاَّ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْراً ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ .
فَقالَ أبو بكر : صَدَقَ اللهُ وَصَدَقَ رَسُولُهُ وَصَدَقَتْ ابْنَتَهُ ، أنْتُمْ مَعْدِنُ الحِكْمَةِ، وَمَوْطِنُ الهُدى وَالرَّحْمَةِ ، وَرُكْنُ الدينِ ، وَعَيْنُ الحُجَّةِ ، لا أُبْعِدُ صَوابَكِ ، وَلا أُنْكِرُ خِطَابَكِ ، هؤلاءِ المُسْلِمُونَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ قَلَّدُونِي مَا تَقَلَّدْتُ ، وَباتفاقٍ مِنْهُمْ أخَذْتُ ما أخَذْتُ ، غَيْرَ مُكابِرٍ وَلا مُسْتَبِدّ وَلا مُسْتَأثِرٍ وَهُمْ بِذلِكَ شُهُودٌ .
فَالْتَفَتَتْ فاطِمَةُ عليها السلام إلى النَّاسِ وَقَالَتْ : مَعاشِرَ النَّاسِ المُسْرِعَةَ إلى قِيلِ الباطِلِ ، المُغْضِيَةَ إلى الفِعْلِ الخاسِرِ، أفَلا تَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها .كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِكُمْ ما أسَأتُمْ مِنْ أعْمالِكُمْ ، فَأخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأبْصارِكُمْ ، وَلَبِئْسَ ما تَأوّلْتُمْ ، وَسَاءَ ما بِهِ أشَرْتُمْ ، وَشَرٌَ ما مِنْهُ اغْتَصَبْتُمْ، لَتَجِدُنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلاً ، وَغِبَّهُ وَبِيلاً ، إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ ، وَبانَ ما وَرَاءَه الضَّراءِ ، وَبَدا لَكُمْ مِنَ رَبكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُونَ . وَخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ . ثُمَّ انكفأت إلي قبر أبيها صلى الله عليه وآله متمثّلة بقول صفيّة بنت عبد المطلب وقيل أمامة :
قَدْ كانَ بَعْدَكَ أنْباءٌ وَهَنْبَثَةٌ لَوْ كُنْتَ شاهِدَها لَمْ تَكْثُرِ الخُطَبُ
إِنّا فَقَدْناكَ فَقْدَ الأَرْضِ وَاِبلَها وغاب مذْغِبْتَ عنّاالوحيُ والكُتُبُ
تَهَضَّمَتْنـا رِجالٌ وَاسْتُخِفَّ بِنا إذْ بِنْتَ عنّا فنحن اليوم نُغْتَصَبُ
أبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجوْى صُدُورِهِمُ لَمَّا فُقِدْتَ وَحالَتْ دُونَكَ الكُثُبُ
قال: فما رأينا يوماً أكثر باكياً وباكيةً من ذلك اليوم. ثُمَّ انكَفَأتْ وَأمِيرُ المُؤمِنِينَ (عليهما السلام) يَتَوَقَّعُ رُجُوعَها إلَيهِ وَيَتَطَلَّعُ طُلُوعَها عَلَيْهِ ، فَلمَّا اسْتَقَرَّتْ بِها الدَّارُ قَالَتْ لأَمِيرِ المُؤمِنينَ عليه السلام :
يا ابْنَ أبِي طالِبٍ اشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الجَنِينِ ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَنِينِ ، نَقَضْتَ قادِمَةَ الأَجْدَلِ ، فَخانَكَ رِيشُ الأَعْزَلِ ، هَذا ابْنُ أبِي قُحافَةَ يَبْتَزنِي نِحْلَةَ أبِي وَبُلْغَةَ ابْنَيَّ ، لَقَدْ أجْهَدَ فِي خِصامِي ، وَألْفَيْتُهُ ألَدَّ فِي كَلاَمِي ، حَتَّى حَبَسَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَها ، وَالمُهاجِرَةُ وَصْلَهَا ، وَغَضَّتِ الجَماعَةُ دُونِي طَرْفَها ، فَلا دافِعَ وَلا مانِعَ ! خَرَجْتُ كاظِمَةً ، وَعُدْتُ راغِمَةً .. أضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أضَعْتَ حَدَّكَ ، افْتَرَسْتَ الذئابَ وَافْتَرَشْتَ الترابَ ، مَا كَفَفْتَ قائِلاً، وَلا أغْنَيْتَ طائِلاً. وَلا خِيارَ لِي ، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هُنيَّتي وَدُونَ ذِلَّتِي !
عَذِيريَ اللهُ مِنْهُ عادِياً ، وَمِنْكَ حامِياً ، وَيْلايَ فِي كُلّ شارِقٍ وَغارِبٍ ، ماتَ العَمَدُ ، وَوَهَتِ العَضُدُ ، شَكْوايَ إلى أبِي، وَعَدْوايَ إلى رَبي، اللهمَ إنَّكَ أشَد قُوَّةً وَحَوْلاً ، وأحَد بَأسَاً وَتَنكِيلاً .
فَقَالَ لَهَا أمِيرُ المُؤمِنِينَ عليه السلام : لا وَيْلَ لَكِ بَلِ الوَيْلُ لِشانِئِكِ ، ثُمَّ نَهْنِهِي عَنْ وَجْدِكِ يابْنَةَ الصَّفْوَةِ ، وَبَقِيَّةَ النبُوَّةِ ، فَما وَنَيْتُ عَنْ دِيِني ، وَلا أخْطَأتُ مَقْدُورِي ، فَاِنْ كُنْتِ تُريِدِينَ البُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ ، وَكَفِيلُكِ مَأمُونٌ ، وَما اُعِدَّ لَكِ أفْضَلُ مِمّا قُطِعَ عَنْكِ ، فَاحْتَسِبِي اللهَ .
فَقَالَتْ : حَسْبِيَ اللهُ ، وَأمْسَكَتْ .